Home قضايا وآراء الديمقراطية الأفريقية تتفوق على الوعظ الأجنبي (بشير غوث)

الديمقراطية الأفريقية تتفوق على الوعظ الأجنبي (بشير غوث)

لطالما يمكن لأي شخص أن يتذكر عندما كان العالم الغربي يملي قواعد الديمقراطية على أفريقيا وبقية العالم. وبغض النظر عن الجهود التي قامت ببذلها هذه الدول، كان من المستحيل تحقيق معايير فرض الديمقراطية الغربية. خاصة عندما تتطلب تلك المعايير الشهود والنتائج التي يؤيدها المراقبون الدوليون، ولكن ليس بعد الآن.

وبمشاهدة البيان الافتتاحي القوي لرئيس القضاة “ديفيد ماراجا”، أثناء إعلانه عن القرار التاريخي للمحكمة العليا بإبطال الانتخابات الرئاسية الكينية التي أجريت في 8 أغسطس، ودعوته لإجراء انتخابات جديدة في غضون 60 يومًا، لم أستطع أن أتذكر سوى كلمات أكبر مناضلي استقلال أفريقيا، وأيقونة شهداء الحرب الباردة “باتريس لومومبا”.

وفي رسالة من زنزانته في السجن إلى ابنه وتمديدًا للأجيال القادمة في إفريقيا، قال لومومبا: “سيأتي اليوم الذي ستحدث فيه كتب التاريخ، ولكن لن يكون تاريخًا يتم تدريسه في بروكسل أو باريس أو واشنطن أو الأمم المتحدة ؛ بل سيكون تاريخًا يتم تدريسه في البلدان التي نالت التحرر من الاستعمار واحتفالاتها، وستكتب إفريقيا تاريخها الخاص، شمالها وجنوبها على حد سواء، وسيكون تاريخ المجد والكرامة”.

لإثبات الكلمات التي تنبأ بها “لومومبا”، كان “لماراجا” كلمات خاصة به قال فيها: “إن عظمة أي أمة تكمن في إخلاصها للدستور، والالتزام بسيادة القانون، وقبل كل شيء خشية الله”، وهذا ليس خطاب مراقب دولي، أو زعيم غربي يقوم بالتبشير بأفريقيا عن فضائل الديمقراطية وعن قيم حكم القانون، ولكنها كلمات قاض أفريقي غيّر مسار التاريخ في عملية ديمقراطية أفريقية، و قلبت الطاولة على الدور الكهنوتي للمراقبين الدوليين.

وهذه هي المرة الأولى في إفريقيا التي تبطل فيها محكمة أفريقية التصويت الذي فاز به رئيس حاكم، والغت انتخابات كاملة أنفقت عليها الدولة الكثير من المال والجهد، وأصدرت حكمًا حسب أسس الدستور وقانون الانتخابات، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يقبل فيها المرشح الفائز الذي يشغل أيضًا منصب الرئيس الحالي قرار المحكمة، بالرغم من علمه أن الانتخابات المعادة فيما بعد قد تتعارض مع مصلحته، وتم الإعلان عن أن “أوهورو كينياتا” رئيسًا بعد انتخابات أغسطس، حيث تفوق على خصمه بمعدل أصوات بلغ  54 في المائة مقابل  45 في المائة.

وقال كينياتا، نجل زعيم استقلال البلاد، الذي أظهر قدرًا كبيرًا من النضج السياسي عقب قرار المحكمة المفاجئ: “اتخذت المحكمة قرارها، نحن نحترمه، في حين أننا نحن لا نتفق معه، ولا أقول سوى السلام، السلام، السلام ، السلام، وهذه هي طبيعة الديمقراطية. “

وحقيقة كان مشوّهًا رده الأول الواعد، أضاف السياسي “كينياتا” في خطابه غاضبًا: “سنعيد النظر في هذا الأمر، بوضوح لدينا مشكلة من الذي انتخب؟ هل النتائج  أيضا كذلك؟ لدينا مشكلة ويجب أن نصلحها”، ويمكن أن يغفر له حساسية اللحظة السياسية التي مر بها.

ومع ذلك، فإن زعيم المعارضة رايلا أودينغا، وهو نجل أول نائب لرئيس كيني،  أكد على أهمية قرار المحكمة ليس فقط بالنسبة لكينيا فحسب بل للقارة الأفريقية ككل، وقال: “لأول مرة في تاريخ الديمقراطية الأفريقية، تم إصدار حكم من قبل محكمة تلغي انتخاب رئيس، وهذا بالفعل يوم تاريخي للغاية لشعب كينيا، ولشعب قارة إفريقيا.

بصرف النظر عن السياسة الداخلية في كينيا، يعدّ هذا القرار التاريخي للمحكمة بمثابة صفعة في وجه المراقبين الدوليين الذين ظلوا لفترة طويلة هم الحماة الذاتيين  للديمقراطية في أفريقيا، ومن دون اعترافهم ومباركتهم لم تتمكن إفريقيا من إجراء انتخابات حقيقية.

ومنذ استقلال إفريقيا، ابتداءً من الستينيات، فرض العالم الغربي على إفريقيا معايير  حقوق الإنسان، والحكم الرشيد، نعم ، ومن المسلم به أن الأفارقة احتلوا مرتبة سيئة في تصنيف جميع المجالات، وما زالوا إلى الآن يحتلون سلم التصنيف على مستويات متفاوتة، لكن الأفارقة أيضًا راقبوا الوضع الغربي بضجر مزدهر، لأن الدول الغربية انتهكت كل المعايير العالمية على أرضهم دون عقاب. ولقد تم الإبلاغ عن مخالفات انتخابية في العديد من الانتخابات الغربية على مر السنين، لكن القوى الصناعية تعتبر نفسها فوق الشبهات، ولن تتوانى أبدًا عن عدم الاستماع والتعلم من مستعمراتها السابقة أو دول العالم الثالث التي تستبشر مثلها بالديمقراطية الخاصة بها.

الآن، مع إلغاء المحكمة للانتخابات الكينية، تُظهر أفريقيا للعالم أن مؤسساتها قد أصبحت ناضجة، وفي حين أعلن المراقبون الدوليون أن الانتخابات حرة ونزيهة، فإن المحكمة العليا الكينية هي التي أظهرت للجميع أن دول إفريقيا لن تتسامح من كونها دولًا يتم خداعها من قبل المعايير الغربية المتناقضة الأقرب للنفاق الديمقراطي بعد الآن.

وقد أيّد هذا بقوة بيان الدعم الذي سارع إليه 24 من السفراء الأجانب في نيروبي بعد ساعات قليلة من إعلان المحكمة، وذكرت صحيفة كينية أن المراقبين الدوليين تُركو “يواجهون البيض”، وذلك بدعم موقفهم وفقًا لقرار المحكمة، كما سارعو أيضًا لإنقاذ سمعتهم.

تعلم الأفريقيون الديمقراطية، وأنه إذا كانوا على قلب رجلًا واحدًا، وصوتًا واحدًا، ولدى الشعب رغبة و إرادة في تحديد مصيره، فلن يحتاجوا إلى وسطاء للإقرار بدلًا عنهم.

ومع ذلك، فقد كانت كلمات القاضي ماراجا التمهيدية الحكيمة هي التي ربحت اليوم، وتردد صداها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتم تشبيهها بالمسرحية المصرية الشهيرة “العيال كبرت” (الأطفال كبروا)، التي وجد فيها الأطفال سر تعدد الزوجات لوالدهم، أصبحت إفريقيا في سن الرشد، واكتشفت كل الأسرار. ولم نعد بحاجة إلى الغربيين لإمساك بيدنا عبر الطريق في عصر خرائط الملاحة من Google، ويمكن اتباع الإرشادات من قبل أنفسنا ؛ نحن نتحدث اللغة الانجليزية، وذلك بفضل سنوات من التلقين.[1]

[1] اونلاين اوبينون https://www.onlineopinion.com.au/view.asp?article=19292

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Check Also

تمكين المرأة سياسياً في جمهورية صوماليلاند

الواقع الدستوري دستور صوماليلاند، يكفل المساواة في التعليم والتوظيف والصحة لجميع المواطنين…