Home Uncategorized حول رحلة أحمد بن فضلان
Uncategorized - المقالأت - April 7, 2022

حول رحلة أحمد بن فضلان

رحلة أحمد بن فضلان

 

د. عاطف معتمد

كتب: د. عاطف معتمد

هذه الحلقة لن تعجب أنصار الأبعاد الروحية لانتشار الأديان من دون غرض سياسي، أما المهتمون بالتكتيك والاستراتيجية واستغلال الدين في صنع خريطة العالم المعاصر فسيجدون فيها معلومات مهمة.

انتهت حلقتنا الثالثة عن ابن فضلان بسؤال عن مبرر تحمله في عام 921/922 م كل تلك الأهوال في السفر عبر آسيا الوسطى إلى الشرق من بحر قزوين رغم أن الطريق التقليدي إلى الغرب من هذا البحر كان هو الأسهل والأشهر والأكثر أمنا.

هذا السؤال هو نفسه الذي يثير تعجبنا حين نتابع رحلات الشقاء التي كان يعانيها الحجاج المغاربة والمصريون والأفارقة خلال توجههم إلى الحجاز في العصور الوسطى.

فبدلا من اختراق الطريق التقليدي السهل في وسط سيناء (درب الحج المصري)، إذ بهم يضطرون إلى الالتفاف في طريق شاق طويل يتعذبون فيه في صحراء مصر الشرقية حتى يصلوا إلى ميناء “عيذاب” في منطقة حلايب في جنوب شرق مصر حاليا، والتي ظن البعض توهما أن اسمه مشتق من “عذاب” الحجاج.

كان السبب في عذاب الحجاج هو قيام إمارات صليبية في فلسطين وشرق نهر الأردن وكانت تتربص بالحجاج المسلمين الذين يعبرون سيناء وتفتك بهم، وهو ما أضر بسمعة مصر خاصة في عهد صلاح الدين الأيوبي فتم التوصل إلى الطريق الطويل المرهق عبر الصحراء الشرقية المصرية وصولا إلى المنطقة التي تمثلها اليوم “حلايب” و “أبو رماد” ومنها مباشرة – في قوارب مهلكة عبر البحر الأحمر – إلى جدة ومكة المكرمة.

وإذا كانت تلك التجربة المؤلمة قد عرفتها مصر في القرون من الثاني عشر إلى الرابع عشر فقد عرفتها رحلة بن فضلان في القرن العاشر قبل ذلك بوقت طويل، هذه المرة بسبب قيام دولة يهودية الزعامة قوقازية الشعب وقفت حاجزا في وجه الخلافة العباسية.

كانت هذه الدولة تسمى “دولة الخزر”، ومنها عرف بحر قزوين لقرون طويلة باسم “بحر الخزر”.

في زمن رحلة ابن فضلان كانت الخزر مملكة قوية، وشعبا متنوع الأعراق والقدرات والمهارات وقد وقفت عقبة مانعة أمام 4 قوى جيوسياسية في المنطقة وهم:

  • العرب بدينهم الجديد من الجنوب في عهد الخلافة العباسية
  • الروس (الصقالبة) بغزواتهم البربرية من الشمال الغربي
  • بيزنطة من الغرب والجنوب الغربي وعبر البحر الأسود.
  • إمارة بولجار الفولجا من الشمال الشرقي.

وكانت الخزر قد تمكنت من إخضاع منطقة واسعة (انظر الخريطة المرفقة)  تمتد من كييف (الروس) غربا إلى بولجار على نهر الفولجا شرقا.

وبعد أن انحسرت نسبيا في القرن 10 قوة الخزر وتحرر بولجار الفولجا من سيطرتهم ذهب ملك البولجار إلى البحث عن حليف جديد ليكون له حليفا استراتيجيا ومرجعا أيدولوجيا وبالتالي جاءت سفارة أحمد بن فضلان لبناء مسجد وقلعة وتعليم الإسلام والإعلان عن اتخاذ الإسلام دينا رسميا لتلك الدولة التي امتدت في الحوض الأوسط لنهر الفولجا.

جدير بالذكر هنا أن الخزر كانت تتألف من مركب فريد في بناء الدولة، فالجمهور الأعم للمواطنين كانوا مزيجا من معتنقي الديانات الطبيعية أو المسيحية أو الإسلام أما الحكام فكانوا من اليهود.

وهذه واحدة من الفترات التاريخية الفريدة التي كانت الطبقة الحاكمة لا تدين بدين الشعب ولا يفرض الحكام عليهم دينهم أو يبشرون به (اليهودية ضد التبشير كما هو معلوم).

والحقيقة ان اليهود في الخزر جاءوا أصلا من إقليم المشرق ولهذه قصة طريفة.

فبعد أن قهر الرومان اليهود من فلسطين وطردوهم، رحبت فارس بهم لا سيما أن الدولة الفارسية القوية كانت عدوة للرومان، ومن ثم وجد اليهود المطرودين ترحيبا واحتضنتهم فارس وعاشوا في كنفها قرونا بوضع مميز للغاية.

لكن في القرون التالية حدثت حروب أهلية في فارس ولا سيما في الثورة الشعبية المسماة بالحركة المزدكية، والتي كانت تسعى إلى حكم اشتراكي من أجل توزيع الثروة على الفقراء ونهب ثروة الأثرياء والملوك والأمراء وتوزيعها على عموم الشعب.

وقد انقسم اليهود في إيران بين مؤيد ومناهض للمزدكية، واضطروا إلى الفرار من جحم الحرب الأهلية إلى كل من بيزنطة والخزر، ثم طردت بيزنطة يهودها (لاتهامهم بالخيانة لصالح العرب) فلحقوا بإخوانهم في دولة الخزر.

على هذا النحو كانت دولة الخزر ذات ديانة يهودية رسيمة وقوة معادية للخلافة العباسية.

وهنا تظهر المفارقة بين من يرون أن الإسلام وصل إلى تلك الأصقاع الباردة في العمق الآسيوي في الفولجا نتيجة أسباب روحية ومدد ديني وإعجاب بالإسلام ومن يرون أن وصول الإسلام هنا جاء ضمن “اللعبة الاستراتيجية الكبرى” في القرن العاشر الميلادي.

ذلك لأن ملك البولجار كان يريد ان يستعين بالخلافة العباسية ذات البعد الديني المغاير لليهود وفي نفس الوقت لما بين الخلافة العباسية والخزر من عداوات.

والمدهش أن القدر التاريخي لعب ضد قرار البولجار في البداية، إذ تغافل ملك البولجار عن أن الخلافة العباسية كانت تستهل رحلة انهيار وسقوط ولن تستطيع بغداد تقديم أي مساعدة فعلية للبولجار.

لكن المدهش في التاريخ أنه مع تراجع الخلافة الإسلامية العباسية حلت مفاجأة غير متوقعة وهي صعود القبائل البدوية غير المنظمة الممثلة في الصقالبة الروس وعملوا لصالح بيزنطة تارة ولصالح أنفسهم تارة أخرى بل وكانوا قد عملوا مرتزقة لدى الخزر قبل ذلك، ثم في النهاية قرروا العمل لصالح أنفسهم وهجموا على تخوم الخزر وساهموا – ضمن عوامل أخرى – في سقوط تلك الدولة التي احتلت مكانا وموقعا مهيمنا في أوراسيا.

في هذه الأجواء وصل ابن فضلان في عام 922 ميلادية إلى ملك البولجار ولم يكن أحد يعرف أن التاريخ يخفي توسع البولجار وانهيار الخزر وصعود الروس من قبائل بدائية  لتكون لها الكلمة الأولى في المنطقة وستحكم مصير الخزر وتهدد بولجار الفولجا فيما بعد.

ماذا كتب ابن فضلان عن الصقالبة الروس؟ وهل كتب فعلا عن الروس أن عن الفايكنج؟ وهل لمثله أن يصل إلى أسكندناوة والقطب الشمالي؟ وكيف استنسخ الفيلم الهوليودي الشهير “المحارب الثالث عشر”  رحلة بن فضلان وأضاف إليها؟ وماذا استفاد التاريخ الأنثروبولوجي عن سكان أوروبا قبل 1100 سنة مضت؟

هذا ما سنحاول تقديم إشارت عابرة عنه في الحلقة المقبلة والأخيرة من رحلة ابن فضلان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Check Also

تمكين المرأة سياسياً في جمهورية صوماليلاند

الواقع الدستوري دستور صوماليلاند، يكفل المساواة في التعليم والتوظيف والصحة لجميع المواطنين…